اسماعيل بن محمد القونوي
368
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( من لفظ الغيبة إلى صيغة التكلم على الحكاية لكلام اللّه تعالى ) أي حكاية موسى عليه السّلام لكلام اللّه تعالى وإن لم يصرح بكونه حكاية من اللّه تعالى للأمن عن الالتباس إذ من أجلى البديهيات إن أخرجنا به ليس مقول موسى عليه السّلام فلا جرم أنه حكاية من اللّه تعالى ثم حكاه اللّه تعالى لنبيه على ما حكى موسى عن اللّه تعالى فلا التفات حينئذ في الحكاية وإن كان في المحكى هذا إذا كان الذي جعل لكم من تتمة كلام موسى على أنه صفة لربي أو منصوب على المدح وإن كان خبر المبتدأ محذوف على أنه من كلام اللّه تعالى ففي أخرجنا التفات مشهور فحينئذ ضمير عدل به راجع إلى اللّه تعالى إن جعل مبنيا للفاعل هكذا ينبغي أن يحرر هذا المقام لأنه من مداحض الأقدام . قوله : ( تنبيها على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة وائذنا بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيته ) لأنه لما عدل عن ضمير الغيبة إلى ضمير العظمة دل على أن ما أسند إليه أمر عظيم وإيجاد الأمور العظام إنما هو بكمال القدرة والعلم التام وخلق الأرض حال كونها مهادا وجعل السبل فيها وإنزال المطر من السماء وإن كان من عظائم الأمور الدالة على كمال قدرة موجدها وعلمه الشامل لكن لم يقصد التنبيه عليها فعبر بضمير الغيبة إذ النكتة مبنية على الإرادة وقد عبر بضمير العظمة عن موجدها في مواضع أخر من القرآن ولعل التخصيص هنا بالإخراج لأن منافعه أتم إذ به قوام الحياة وأشمل لجميع الحيوانات قوله تنقاد الأشياء المختلفة إشارة إلى وجه تخصيص التعبير بنون العظمة في الإخراج قوله المختلفة مستفاد من قوله شتى وجه ذلك إن مثل هذا التعبير يعبر به الملوك والعظماء النافذ أمرهم ونهيهم . قوله : ( وعلى هذا نظائره كقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها [ فاطر : 27 ] أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ [ النمل : 60 ] ) من أن العدول في هذه النظائر لهذه النكتة الأنيقة الرشيقة ولا حكاية في نظائره بل فيها التفات فقط حدائق جمع حديقة أي البساتين . على كمال القدرة فإن قلت لو قيل : فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى [ طه : 53 ] لحصل الدلالة على كمال القدرة والإيذان بأنه مطاوع فما وجه العدول وتغيير النظم قلت نعم يحصل به أصل الدلالة على ذلك لكن أريد ظهور تلك الدلالة فجيء بصيغة التكلم الدلالة على الظهور فإن ضمير التكلم أعرف من ضمير المخاطب وضمير الغائب لعدم الالتباس فيه فلما أسند الإخراج إليه على صيغة التكلم علم من غير التباس أن المخرج هو ليس . قوله : بنفاد الأشياء المختلفة لمشيئته أخذ رحمة اللّه معنى الاختلاف من لفظ شتى في قوله : مِنْ نَباتٍ شَتَّى [ طه : 53 ] . قوله : كقوله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ [ فاطر : 27 ] وهذا من باب الالتفات إذ التعبير أن في هذه الآية في كلام متكلم واحد وكذا في قوله : فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ [ النمل : 60 ] .